أبي منصور الماتريدي

71

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ويحتمل قوله : ولا يكذبونك في السر ، ولكن يقولون ذلك في العلانية ، والتكذيب هو أن يقال : إنك كاذب . وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ . أي : عادة الظالمين التكذيب بآيات الله . و الظَّالِمِينَ يحتمل وجهين : أحدهما : الظالمين على نعم الله عادتهم التكذيب بآيات الله . [ الثاني ] والظالمين على أنفسهم ؛ لأنهم وضعوها في غير موضعها . وقوله - عزّ وجل - : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا . يخبر نبيه - عليه الصلاة والسلام - ويصبره على تكذيبهم إياه وأذاهم بتبليغ الرسالة ، يقول : لست أنت بأول مكذب من الرسل ، بل كذب إخوانك من قبلك على تبليغ الرسالة ، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا ، ولم يتركوا تبليغ الرسالة مع تكذيبهم إياهم ؛ فعلى ذلك لا عذر لك في ترك تبليغ الرسالة وإن كذبوك في التبليغ وآذوك ، وهو ما ذكرنا أنه يخبره أنه بعثك رسولا على علم منه بكل الذي كان منهم من التكذيب والأذى . وقوله - عزّ وجل - : فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا . أخبر الله أنه نصر رسله ، ثم يحتمل ذلك ( النصر ) وجوها . أحدها : ينصرهم أي : أظهر حججه وبراهينه ، حتى علموا جميعا أنها هي الحجج

--> - حزنك لنفسك وإن هم كذبوك وأنت صادق ، وقيل : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ [ الأنعام : 33 ] لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق ولكنهم يجحدون بآيات الله . وذكر أبو حيان في البحر المحيط ( 4 / 111 ) مثل ذلك فقال : قيل هما بمعنى واحد ، نحو « كثر وأكثر » وقيل بينهما فرق ، حكى الكسائي أن العرب تقول : « كذبت الرجل » إذا نسبت إليه الكذب ، و « أكذبته » إذا نسبت الكذب إلى ما جاء به دون أن تنسبه إليه . وتقول العرب أيضا : « أكذبت الرجل » إذا وجدته كذابا كما تقول « أحمدت الرجل إذا وجدته محمودا » . فعلى الفرق يكون معنى التخفيف لا يجدونك كاذبا أو لا ينسبون الكذب إليك ، وعلى معنى التشديد يكون إما خبرا محضا عن عدم تكذيبهم إياه والمراد بعضهم ، وإما أن يكون نفي التكذيب لانتفاء ما يترتب عليه من المضار ، فكأنه قيل : لا يكذبونك تكذيبا يضرك ؛ لأنك لست بكاذب ، فتكذيبهم كلا تكذيب . وحكى قطرب « أكذبت الرجل » دللت على كذبه . وفي الصحاح ( 2 / 381 ) « كذب » : أكذبت الرجل : ألفيته كاذبا ، وكذبته إذا قلت له : كذبت وقال الكسائي : أكذبته إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه و « كذبته » إذا أخبرت أنه كاذب . وقال ثعلب : « أكذبه وكذبه » بمعنى ، وقد يكون « أكذبه » بين كذبه ، وقد يكون بمعنى حمله على الكذب وبمعنى وجده كاذبا .